علي بن أحمد السبتي الأموي ( ابن خمير )

47

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء

فهو ظالم ، غالب ، باغ شرعا . ومن أخبر تعالى أنّه قال : ظلمت ، وبغيت ، أو قال : ظلم زيد وغلب وبغى ، فقد يخبر عن حقيقة شرعية وعن مجازيّة عاديّة ، كما تقدّم في مثال السّيد والعبد . وقد ثبت أنّ هذه الأقوال التي وقعت بين داود - عليه السّلام - وبين خصمه من المجازيّة العاديّة ، وإذا كان ذلك لم يثبت بها حكم شرعي وإذا لم يثبت حكم لم تثبت طاعة ولا معصية . قال تعالى : وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ، فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ ص : 38 / 24 - 25 ] . هذا الظنّ منه يحتمل أن يكون علما ، ويحتمل أن يكون ظنّا على معنى الظّن الذي هو التردّد في الشّكّ مع الميل إلى أحد الطّرفين . فإن كان بمعنى العلم فهو أنه لمّا علم أن الخصمين ملكان وأنّه المقصود بالمثال وأنّه فتن أي اختبر وامتحن ببعض المباحات ، فعوتب إذ لم يصبر فيها صبر المؤثرين حتّى قال ما قال وفعل ما فعل وَخَرَّ راكِعاً يعني ساجدا ، فإنّ الرّكوع والسّجود يسمّى كلّ واحد منهما باسم الثّاني « 1 » ، وَأَنابَ : أي تاب من ذلك ظاهرا وباطنا ، فأخبر تعالى أنّه غفر له ذلك أي درأ عنه الطّلب فيما رأى هو أنّه ذنب في حقّه بترك الأولى كما تقدّم . وإن كان حكمه على حكم الظّنّ فيكون : أنّه غلب ظنّه على أنّ الذي وقع منه فتنة يتعلّق فيها طلب ، إذ للّه تعالى في صريح العقل أن يطلب ما شاء ويترك ما شاء ، فأخبر تعالى أنّه لا طلب عليه في ذلك .

--> ( 1 ) في تفسير القرطبي 15 / 182 ، قوله تعالى : وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ أي خرّ ساجدا . وقد يعبّر عن السّجود بالركوع ، قال الشاعر : فخرّ على وجهه راكعا * وتاب إلى اللّه من كلّ ذنب وقال ابن العربي : لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هاهنا السجود .